الشيخ محمد رشيد رضا
150
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
خلق اللّه » وهو ثامن أحاديث هذا الباب « وقال بعض الشراح : مثال التنطع في السؤال حتى يفضي بالمسؤل إلى الجواب بالمنع بعد أن يفتى بالاذن - ان يسأل عن السلع التي توجد في الأسواق هل يكره شراؤها ممن هي في يده من قبل البحث عن مصيرها اليه أولا ؟ فيجيبه بالجواز ، فان عاد فقال أخشى ان يكون من نهب أو غصب ، ويكون ذلك الوقت قد وقع شيء من ذلك في الجملة ، فيحتاج ان يجيبه بالمنع ، ويقيد ذلك : ان ثبت شيء من ذلك حرم ، وان تردد كره أو كان خلاف الأولى . ولو سكت السائل عن هذا التنطع لم يزد المفتي على جوابه بالجواز « وإذا تقرر ذلك فمن يسد باب المسائل حتى فاته معرفة كثير من الاحكام التي يكثر وقوعها فإنه يقل فهمه وعلمه . ومن توسع في تفريع المسائل وتوليدها - ولا سيما فيما يقل وقوعه أو يندر ، ولا سيما ان كان الحامل على ذلك المباهاة والمغالبة - فإنه يذم فعله ، وهو عين الذي كرهه السلف « ومن أمعن في البحث عن معاني كتاب اللّه محافظا على ما جاء في تفسيره عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعن أصحابه الذين شاهدوا التنزيل ، وحصل من الاحكام ما يستفاد من منطوقه ومفهومه ، وعن معاني السنة وما دلت عليه كذلك ، مقتصرا على ما يصلح للحجة منها ، فإنه الذي يحمد وينتفع به . « وعلى ذلك يحمل عمل فقهاء الأمصار من التابعين فمن بعدهم ، حتى حدثت الطائفة الثانية فعارضتها الطائفة الأولى فكثر بينهم المراء والجدال وتولدت البغضاء ، وتسموا خصوما - وهم من أهل دين واحد - والوسط هو المعتدل من كل شيء ، وإلى ذلك يشير قوله صلّى اللّه عليه وسلّم في الحديث الماضي « فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم » فان الاختلاف يجر إلى عدم الانقياد . وهذا كله من حيث تقسيم المشتغلين بالعلم « وأما العمل بما ورد في الكتاب والسنة والتشاغل به فقد وقع الكلام في أيهما أولى . والانصاف ان يقال كل ما زاد على ما هو في حق المكلف فرض عين فالناس فيه على قسمين : من وجد في نفسه قوة على الفهم والتحرير فتشاغله بذلك